أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
116
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
179 - في ليلة مرضت من كلّ ناحية * فما يحسّ بها نجم ولا قمر « 1 » أي لظلمتها ، ويجوز أن يكون أراد بمرضت فسدت ، ثم بيّن جهة الفساد بالظلمة . وقوله : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً : هذه جملة فعلية معطوفة على الجملة الأسمية قبلها ، متسبّبة عنها ، بمعنى أنّ سبب الزيادة حصول المرض في قلوبهم ، إذ المراد بالمرض هنا الغل والحسد لظهور دين اللّه تعالى . و « زاد » يستعمل لازما ومتعديا لاثنين ثانيهما غير الأول كأعطى وكسا ، فيجوز حذف معموليه وأحدهما اختصارا واقتصارا ، تقول : زاد المال ، فهذا لازم ، وزدت زيدا خيرا ، ومنه وَزِدْناهُمْ هُدىً « 2 » ، فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً « 3 » « وزدت زيدا » ولا تذكر ما زدته ، وزدت مالا ، ولا تذكر من زدته وألف « زاد » منقلبة عن ياء لقولهم : يزيد . وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ نظير قوله تعالى : وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ « 4 » وقد تقدّم . وأليم هنا بمعنى مؤلم ، كقوله : 180 - ونرفع من صدور شمردلات * يصكّ وجوهها وهج أليم « 5 » ويجمع على فعلاء كشريف وشرفاء ، وأفعال مثل : شريف وأشراف ، ويجوز أن يكون فعيل هنا للمبالغة محوّلا من فعل بكسر العين ، وعلى هذا يكون نسبة الألم إلى العذاب مجازا ، لأن الألم حلّ بمن وقع به العذاب لا بالعذاب ، فهو نظير قولهم : شعر شاعر . و بِما كانُوا يَكْذِبُونَ متعلّق بالاستقرار المقّدر في « لهم » أي : استقر لهم عذاب أليم بسبب تكذيبهم . و « ما » يجوز أن تكون مصدرية أي بكونهم يكذبون وهذا على القول بأنّ ل « كان » مصدرا ، وهو الصحيح عند بعضهم للتصريح به في قول الشاعر : 181 - ببذل وحلم ساد في قومه الفتى * وكونك إيّاه عليك يسير « 6 » فقد صرّح بالكون ، ولا جائز أن يكون مصدر كان التامة لنصبه الخبر بعدها ، وهو : « إياه » ، على أن للنظر في هذا البيت مجالا ليس هذا موضعه . وعلى القول بأن لها مصدرا لا يجوز التصريح به معها ، لا تقول : « كان زيد قائما كونا » ، قالوا : لأن الخبر كالعوض من المصدر ، ولا يجمع بين العوض والمعوّض منه ، وحينئذ فلا حاجة إلى ضمير عائد على « ما » لأنها حرف مصدريّ على الصحيح خلافا للأخفش وابن السراج في جعل المصدريّة اسما . ويجوز أن تكون « ما » بمعنى الذي ، وحينئذ فلا بدّ من تقدير عائد أي : بالذي كانوا يكذّبونه ، وجاز حذف العائد لاستكمال الشروط ، وهو كونه منصوبا متصلا بفعل ، وليس ثمّ عائد آخر . وزعم أبو البقاء أنّ كون ما موصولة اسمية هو الأظهر ، قال : « لأن الهاء المقدرة عائدة على « الذي » لا على المصدر » وهذا الذي قاله غير لازم ، إذ لقائل أن يقول : لا نسلّم أنه لا بدّ من هاء مقدرة ، حتى يلزم جعل « ما » اسمية ، بل من قرأ « يكذبون » مخففا فهو عنده غير متعدّ لمفعول ، ومن قرأه مشدّدا فالمفعول محذوف لفهم المعنى أي : بما كانوا يكذّبون الرسول والقرآن ، أو يكون
--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 53 ) . ( 2 ) سورة الكهف ، آية ( 13 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 10 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 7 ) . ( 5 ) البيت لذي الرمة . انظر ديوانه ( 677 ) ، الأضداد ( 84 ) ، القرطبي ( 1 / 139 ) . ( 6 ) البيت في شرح ابن عقيل ( 1 / 270 ) ( 64 ) . وانظر الأشموني ( 1 / 231 ) ، الهمع ( 1 / 114 ) ، الدرر ( 1 / 83 ) .